فتيات كرديات يفضلن التجنيد العسكري على الزواج المبكر

تحقيق جاندي خالدي

كانت نسرين في الصف السادس الابتدائي، وبدلا من الحصول على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية في نهاية العام حصلت على عقد الزواج. وتقول الفتاة الكردية ابنة حي الكورنيش في مدينة قامشلي بمحافظة الحسكة شمال شرق سوريا “تزوجت قسراً، بعد ضغطٍ وإجبارٍ من أهلي، من رجل يكبرني بخمس عشرة سنة.” لم يستمر الزواج أكثر من عامٍ واحدٍ. قالت إن زوجها وأهله “كانوا يقومون بمراقبتي ومنعي من الزيارات للأهل والأصدقاء بل إنهم باعوا ما أملكه من ذهب دون إخباري بذلك.” لم تتحمّل الطفلة الصغيرة هذا العناء، وقام والدها بتطليقها “ووافق أهل زوجي على الطلاق لقاء تنازلي عن كافة حقوقي ولستُ نادمة على القرار الذي اتخذته “.

نسرين واحدة من أعداد متزايدة من قاصرات يقعن فريسة الزواج المبكر في المنطقة الكردية في سوريا بحسب ناشطين في المجتمع المدني. تزايدت الأعداد بعد اندلاع الأزمة في سوريا عام 2011 رغم سن قوانين في المنطقة الكردية واتخاذ اجراءات على مستويات عدة للتصدي لزواج القاصرات. مئات الفتيات يجدن الحل في الالتحاق بوحدات حماية الشعب والمرأة ليصبحن مقاتلات يوما ما بعيدا عن ضغوط الأسرة في قرار الزواج..

تقول هديل محمد التي تزوجت في عمر 13 سنة إنها أنجبت خمسة أطفال خلال ست سنوات من الزواج نزولاً على رغبة أهل زوجها.

“كان المطلوب مني أن أنجب في كل عام طفلاً” كما تقول هديل التي تعيش في حي الآشورية في مدينة قامشلي بمحافظة الحسكة في شمال شرق سوريا..

التكلفة الصحية والبدنية للفتيات مؤكدة في مثل هذه الظروف بحسب أطباء أمراض نسائية.

وتقول سعدية ابنة حيّ ميسلون في قامشلي “اضطررت إلى الزواج  بعمر 15 عاما نتيجة الفقر بعد وفاة والدي ، وأثناء الحمل تعرّضت للإصابة بأمراض نسائية وعانيت من نزيف داخلي أثناء الولادة ناهيك عن فقر الدم وفقدان الشهية”.

د. غزالة شويش أخصائية أمراض النساء في المدينة أكّدت أنّ زواج القاصرات يمكن أن “يؤدي إلى جروح ونزف وتمزّقات في الرحم.”

وتضيف أنه “يتم تحديد التشكل العظمي النهائي للحوض في سن الثامنة عشرة”.  وقالت  إن عدم اكتمال التشكل العظّمي يؤدّي في حالة الحمل لتشوّه الحوض ويؤثِّر على الجنين أيضاً الذي قد يولد صغير الحجم أو ناقصاً، وهناك حالات كثيرة تعرضن لاجهاض.”

ويعجل البلوغ المبكر بالتشكل العظمي للحوض لكن “الدورة الشهرية عندما يحين موعدها تحتاج إلى سنتين على الأقل حتى تنتظم بشكل طبيعي” بحسب شويش.

وتوصي شويش من تتزوج مبكرا بأنّ عليها “أن تؤخِّر الإنجاب لأنها طفلة ،وهي غير جاهزة فيسيولوجياً وجسمانياً ونفسياً للإنجاب “.

ضرر الزواج المبكر لا يقتصر على الفتيات وإنما يهدد المجتمع بمعناه الواسع.

 وتقول هديل التي أصبحت قبل بلوغ العشرين أما لخمسة أطفال “بعد وفاة زوجي بحادث سير ، أصبحت أخشى عليهم الانحراف.

“إنهم لا يسمعون لي ولا أستطيع التحكم بهم وتربيتهم، وأنا لا حول لي ولا قوة.”

وتقول المرشدة النفسية سوسن سيد عيسى “المرأة يجب أن تصل إلى وعي وإدراك كاملين حتى تستطيع أن تدير مؤسّسة الزواج.”

وتضيف أن القاصر لا تملك قدرة اتخاذ قرار كالزواج – حتى وإن رغبت- ويكون قرارها خاطئاً  وطائشاً في معظم الحالات فهي تعيش في حالة “تذبذب ما بين الطفولة والمراهقة وقد تجد اغراء في الإحساس بأنها كبيرة.”

وتحذر همرين حرسان المرشدة الاجتماعية من قامشلي من أن زواج القاصرات “يؤدي إلى تفكّك الأسرة وازدياد حالات الطلاق التي تهدم المجتمع.”

واعتبرت أنّ سبب ازدياد هذه الظاهرة في المنطقة الكردية يرجع إلى “انتشار البطالة والفقر نتيجة الحرب الدائرة في سوريا منذ نحو سبع سنوات.”

التجنيد حلا

في 2012 أسس حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي أطلق مشروع الإدارة الذاتية للمنطقة الكردية، وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ)، وهي وحدات عسكرية تضم مقاتلين كردا وعربا وسريانا لحماية المنطقة الكردية (روجآفا أو غرب كُردستان).

وتقول رئيسة مكتب العلاقات العامة في وحدات حماية المرأة القيادية نسرين عبدالله إن فتيات صغيرات “يلجأن إلينا بسبب ضغط العائلة بعضهن يتعرضن للضرب مثلاً في بيوتهن أو يتم تزويجهن بعمر صغير جداً.”

لكنها قالت إنه لا يسمح للملتحقات بالوحدات دون سن الثامنة عشرة بالمشاركة في مهام قتال على الجبهات التزاما باتفاقية وقعتها الوحدات عام 2014 مع منظمة نداء جنيف المعنية بدعم التزام المجموعات المسلحة غير الحكومية بالمعايير الإنسانية والدولية وحماية الأطفال من آثار النزاع المسلح.

وأضافت أن الملتحقات بالوحدات دون الثامنة عشرة يتم إلحاقهن بمراكز حماية وتأهيل خاصة بالقاصرات

وقالت “بلغ عددهن لدينا 300 فتاة حتى الآن، وتشكِّل القاصرات اللواتي هربن من تزويجهنّ مبكِّراً خمسة بالمئة من الموجودات.

” وعند بلوغ السن يمكنهن الالتحاق بالقتال بعد أداء القسم.”

الحصول على تصريح لزيارة واحد من مراكز حماية القاصرات التابعة لوحدات حماية المرأة، استلزم الانتظار نحو ثلاثة أشهر بسبب الاجراءات المشدّدة لحمايتهنّ.

وفي المركز الواقع قرب مدينة ديريك (المالكية) التي تبعد نحو 90 كيلومترا شرقي قامشلي، قالت شيلان (15 عاماً) إنها التحقت بالمركز قبل عام، وتركت منزلها لأنها كانت تتعرّض للضرب من الأهل بين حين وآخر.

وأضافت أنها في المركز لا تتعرّض للضرب، وتتعلّم أموراً كثيرة، وتربطها روح الزمالة مع رفيقاتها.

وذكرت دلدار (17 عاماً ) أنها جاءت للمركز قبل عامين بعدما تعرّضت “للظلم من قبل العائلة وتقييدٍ لحريتها”.

قالت زيلان (17 عاماً) إنها التحقت بالمركز منذ عامين تقريباً وإن حياتها “تحسَّنت لأنها تتعلَّم اشياءً لم تكن لتتعلّمها لولا التحاقها تتعلق بحقوقها وحريتها كأنثى”.

وهناك برنامج يومي للملتحقات بتلك المراكز يتضمن تمارين رياضية ودروسا في اللغات والعلوم والرياضيات والثقافة والتراث إلى جانب وقت حر لممارسة الهوايات.

وتقول نسرين عبدالله “نقوم بتدريبهن وحمايتهن في أماكن إقامة مناسبة وجيدة ونعمل على إعادة بنائهن من جديد ومناقشة مشاكلهن الاجتماعية والنفسية .”

منع صريح بالقانون

وبعد نحو عامين من تأسيس وحدات حماية الشعب والمرأة، أعلن عن تأسيس الإدارة الذاتية للمنطقة الكردية في يناير/كانون الثاني 2014، والتي بادرت بسن قوانين اختلفت في المضمون والاجراءات عن قانون الحكومة السورية. وصادق المجلس التشريعي للمنطقة في أكتوبر/تشرين الأول 2014 على قانون المرأة كما أنشىء ديوان العدالة الاجتماعية أو محكمة الشعب، بالرغم من وجود محكمة تابعة للحكومة السورية في المنطقة الكُردية .

وعلى عكس الاستثناءات في قانون الأحوال الشخصية السوري رقم 59 لعام 1953، حظر قانون المرأة الجديد بالمنطقة الكردية زواج القاصرات إذ نصت المادة الرابعة والعشرون منه على أنه “يمنع تزويج الفتاة قبـل إتمامها الثـامنـة عشرة مـن عمـرهـا .” وفرض القانون عقوبة السجن سبع سنوات على ولي الفتاة والجهة التي عقدت القران واعتبار الولي ونفس الجهة شريكان في التزوير.

واذا حدث انتهاك لهذا الحظر، تسمح المادة 24 من قانون المرأة بإقامة دعوى قضائية ضدّ ولي الفتاة القاصر والجهة التي عقدت القران.

وتقول  إلهام عمر مدير دار المرأة في مقاطعة الجزيرة -وهي منظمة نسائية تتبع اتحاد ستار المنضوي في حركة المجتمع الديمقراطي (TEV DEM) التي تضم أحزابا وتنظيمات سياسية ومجتمعية ونسوية-  وتقوم بنشاطات  تخصّ الأسرة والمجتمع والمرأة في المقاطعة، إنه يحقّ للفتاة القاصر – بعد التزويج – رفع دعوى على والدها ووالد زوجها أمام المحكمة..

وكشفت أفين جمعة الرئيسة المشاركة لمنظمة حقوق الإنسان في منطقة الجزيرة شمال شرق سوريا أنّ 14 دعوى رفعت أمام المحكمة خلال 2017 . وأضافت “قمنا بتوثيق ذلك بناءً على ما وردنا من ديوان العدالة الاجتماعية/محكمة الشعب. وأكد التقرير السنوي للمنظمة لعام 2017 هذا العدد .

ولم يتسن الحصول على تأكيد للعدد من ديوان العدالة الاجتماعية.

وتقول إلهام عمر مدير دار المرأة  إنه “لا يتم تطليق الفتاة القاصر التي ترفع دعوى على والدها ووالد زوجها ، بل تعود لمنزل أهلها حتى تبلغ الـ 18 عاماً ثم تستكمل زواجها بعد ذلك.”

وعلى الرغم من عدم وجود احصائياتٍ واستبياناتٍ دقيقة ، إلّا أنّ حالات زواج القاصرات بعد حدوث الأزمة في سوريا في ازديادٍ دائم نتيجة الظروف المعيشية وحالات الفقر وزيادة نسبة الإنجاب، كما أنّ للعادات والتقاليد والموروث الثقافي في المنطقة دورٌ في ذلك، حسبما قالت منى عبدالسلام الناطقة الرسمية باسم منظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة، وهي منظمة مرخَّصة من قبل الإدارة الذاتية  تعنى بحقوق المرأة وحمايتها في قامشلي.

وأضافت “إنّ زواج القاصرات هو أحد أشكال” العنف الاجتماعي ضد المرأة.  

“لكن ازدادت نسبته لأنّ الأهالي يتحجَّجن بعدم قدرة الفتيات على إكمال تعليمهنّ الجامعي في ظروف السفر الصعبة بين المحافظات السورية، وأنّهن في النهاية مآلهن إلى الزواج.”

قبل الوصول للمحكمة..

وتشهد المنطقة الكردية جهودا لتحرك مجتمعي في محاولة استباقية لمكافحة الظاهرة دون الحاجة للجوء إلى الدعاوى القضائية. ونجح هذا التحرك في منع مئات الحالات لزواج قاصرات بحسب مسؤولين في منظمات أهلية.

تقول إلهام عمر مسؤولة دار المرأة إن المنظمة تقوم بأنشطة مجتمعية تشمل السعي لمنع زواج القاصرات وتعدد الزوجات.

وأضافت “يتم إخطارنا من قبل  الكومين (مجالس شعبية للأحياء التابعة للإدارة الذاتية) بوقوع زواج أو خطبة لقاصر، فنقوم بتشكيل وفد من دار المرأة ونتوجه إلى منزل الفتاة ونتناقش مع الوالدين حول أضرار زواج القاصرات ومنعه قانوناً ، ونوصلهم  بأسلوبنا إلى قناعة “.

وقالت إنّهم في دار المرأة قاموا في عام 2017 بإيقاف 172 حالة زواج قاصرات في قامشلي وريفها “أما على مستوى مقاطعة الجزيرة أوقفنا حوالي 1000 حالة”. وتمثل المقاطعة نحو 77 في المئة من مساحة المنطقة الكردية التي تضم أيضا منطقتي كوباني وعفرين.

وأضافت أنه في حال عدم اقتناع الأبوين بإيقاف الزواج “نقوم برفع القضية إلى النيابة لتأخذ القضية مجراها.

“لكننا في قامشلي وريفها استطعنا إقناع الأغلبية ولم نتوجه إلى النيابة إلا في حالاتٍ قليلةٍ جداً” وهذا ما يفسِّر قلة الدعاوى المرفوعة أمام محكمة الشعب.

وربما تكون تحركات منظمات المجتمع المدني هي الخيار الوحيد الذي كان يمكنه إنقاذ نسرين التي تزوجت في الصف السادس الابتدائي. ففي هذه السن لم تكن تدرك خيارات القانون التي تتيح لها رفع دعوى قضائية أو تعرف بإمكانية الالتحاق بمراكز الرعاية في وحدات حماية المرأة.

وتعتبر الناطقة الرسمية باسم منظمة سارا لمناهضة العنف ضدّ المرأة أنّ “القانون وحده لا يكفي للحدّ من زواج القاصرات. وأضافت أن القانون ” لم يطبَّق بشكل واسع على كافة المناطق ويحتاج إلى تعاون جهات مختلفة حتى يلتزم به الجميع.”

وفضلا عن قلة الوعي وسعي عائلات البنات للتخفيف من أعباء مادية، تطرح إلهام عمر سببا آخر لازدياد حالات زواج القاصرات يعود إلى “رغبة بعضهم في إفشال تطبيق قانون المرأة باعتباره جديداً على المجتمع.”

وفي ظل هذه الأوضاع، لا تلوح في الأفق نهاية قريبة لظاهرة زواج القاصرات رغم سن قانون يحظره، وتوفير الرعاية للفتيات في مراكز حماية القاصرات إلى جانب الجهود المجتمعية للحد من الظاهرة..

Leave a Reply