في مناطق المعارضة السورية.. زراعة القمح لتغذية الأعداء

تحقيق: محمود الشمالي

اعتاد المزارع الخمسيني أبو شادي أن يكرس جهده لخدمة ارضه في سهل الغاب غرب إدلب.. أرض أبو شادي البالغة مساحتها نحو 40 دونما* هي مصدر رزقه الوحيد، ويزرعها في غالب الأحيان بالقمح. اضطر أن ينزح إلى مخيم بالقرب من الحدود التركية بصحبة عائلته بسبب ظروف الحرب في سوريا. لكنه يحرص على متابعة أرضه في مواسم البذار والحصاد.

وقلل أبو شادي استخدامه لمستلزمات الزراعة إلى حد كبير نظرا لارتفاع ثمنها ما أثر سلبا على الإنتاج ليتراجع من 500-600 كيلو جرام منالقمح للدونم الواحد قبل الحرب التي مضى عليها نحو سبع سنوات الى 300-350 كيلو جراما للدونم في موسم 2016-2017 . وفضلا عن تراجع الانتاج يواجه أبو شادى وباقي المزارعين مشكلة أخرى. يقول “لم أستطع تسليم انتاج أرضي الى مراكز استلام القمح التابعة للمعارضة والتي تشتري الطن بسعر 165 دولارا لكنها لا تستوعب كل الانتاج، مما  اضطرني لبيعه إلى تجار السوق السوداء بسعر يقارب 125 دولارا  للطن حيث ينقلونه إلى مناطق النظام السوري.

تجربة أبو شادي أمر معتاد لمزارعي القمح في محافظة ادلب التي توجد بها أكبر مناطق تسيطر عليها المعارضة السورية حيث يجدون انتاجهم الذي يتراجع في الكم والقيمة يذهب في نهاية الأمر إلى مناطق النظام الذي ثاروا عليه وحاربوه..

أبو حسن مزارع من بلدة قسطون في ريف ادلب الغربي استخدم نوعية من البذار غير المعقم أو المعالج، والذي خزنه من الموسم السابق كغيره من المزارعين حسبما جرت العادة لديهم خلال سنين الحرب في سوريا.

وبحسب أبو حسن “كمية البذار التي استخدمتها هي نفسها لم تتغير قبل الحرب وبعدها.” لكن أشار إلى أن الانتاج تراجع  لعدة أسباب أهمها نوعية البذار المستخدم حيث كان قبل الحرب من الانواع الجيدة التي تشرف على اكثارها الحكومة من انواع (شام 1 و2 و3 و4)”.

127 دونما تقريبا زرعها أبو حسن بالقمح الطري  لموسم 2016 -2017، ووصل إنتاج أرضه الى حوالي 50 طنا من القمح بينما كان قبل الحرب يصل الى 65 طنا، ويقول إنه “في موسم 2015 -2016 كانت خسارتي كبيرة حيث احترق محصولي بالكامل جراء القذائف التي اطلقتها قوات النظام المتمركزة في معسكر جورين في سهل الغاب على المنطقة ولم أجن سوى الخسارة “. ويبعد المعسكر نحو عشرة كيلومترات عن أرض أبو حسن.

لم يختلف الوضع كثيرا عند المزارع قاسم خطاب من ريف ادلب الجنوبي والذي يقول إنه في ظل ارتفاع  تكاليف الانتاج “لا يبقى للمزارع بعد تأدية ما عليه من ديون ومصاريف إلا الشيء القليل ليتدبر أمور حياته”

وتكاليف الانتاج حاليا تكون على الشكل التالي ” فلاحة الدونم الواحد 2500 ل.س (5$)، تنعيم  الأرض الدونم الواحد 1100 ل.س (2$)، أما البذار سعر الكيلو الواحد 180 ل.س (0,36$)، والدونم يحتاج الى ما يقارب 30 كيلوغرام اي (10،8$)، وبالنسبة للمبيدات الحشرية لا نجد سوى الانواع الرديئة وسعرها (3$)، وكذلك تكاليف الحصاد حيث تكلفة حصاد كل دونم ما يقارب 6000ل.س(12$)، ويحتاج الى رش سماد لكل دونم 50 كغ تقريبا بسعر 10000ل.س” 20$ “”.

الدكتور خالد الحسن مدير عام مؤسسة الزراعة في إدلب والتابعة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة قال إنه في عام 2012 كان انتاج القمح 188 ألف طن بالمحافظة والمساحة 68 ألف هكتار**، وتراجع الانتاج عام 2016 إلى 40 ألف طن والمساحة إلى  15 ألف هكتار ، بينما في عام 2017 زاد الانتاج إلى  122 ألف طن  والمساحة 45 ألف هكتار بسبب تزايد هطول الأمطار والأوضاع الجوية المناسبة..

 وأشار إلى عدم وجود احصاءات من 2013 إلى 2015 بسبب عدم استقرار الاوضاع في محافظة ادلب.

الفلاحة وحدها لا تكفي

عبد السميع حاج محمد مزارع من ريف ادلب الشرقي يبلغ من العمر 52 عاما ، كان متوسط انتاج ارضه قبل الحرب 20 طنا وكان سعر الطن الواحد 16 ألف ليرة سورية لصوامع الحبوب  التابعة للحكومة أي ما يعادل 355 دولارا للطن حيث كان الدولار حينئذ يساوي 45 ل.  س.

وتراجع متوسط الانتاج الآن إلى 13 طنا تقريبا، ويباع الطن بسعر 123 ألف ل. س (232 دولارا).

ويقول محمد إنه في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة وانخفاض سعر الليرة مقابل الدولار، اضطر الفلاح للبحث عن مهن أخرى لتغطية متطلبات المعيشة بعدما أًصبحت الفلاحة وحدها لا تكفي.

باع عبد العزيز أبو محمد الانتاج للتجار بسعر 120 ل.س للكيلو جرام أي 120 ألف ل.س للطن (226$)، حسب سعر صرف الدولار حاليا، في حين يباع الطن لمراكز تسليم المعارضة وفي مناطق النظام ايضا بما يتراوح بين 265 دولارا و 275 دولارا حسب النوع.

ويقول إن “الفرق كله خسارة بالنسبة للمزارع ومكسب للتجار الذي استغلوا عدم قدرة مراكز المعارضة على استلام كل الانتاج ليقوموا بتصديره إلى مناطق النظام”.

وبحث محمد الخليل عن مهنة أخرى توفر له دخلا بديلا عن زراعة ارضه في منطقة سراقب شرق ادلب، فافتتح بقالية صغيرة يكسب منها قوت أسرته، وأصبح يزرع أرضه بمحاصيل أقل تكلفة من القمح كالحبة السوداء والكمون .

توجد في مناطق سيطرة المعارضة ستة مراكز لاستلام القمح من المزارعين تابعة للحكومة المؤقتة التي شكلها الائتلاف المعارض وهي  مراكز “إدلب، معرة النعمان، سراقب، راعة، دارة عزة، الاتارب “. استلمت هذه المراكز ما يقارب عشرة آلاف طن في عام 2017 بحسب راقي خطاب المحاسب في مشروع استلام القمح التابع للحكومة المؤقتة.

يقول معن ناصر مدير مؤسسة اكثار البذار التابعة للائتلاف المعارض في إدلب انه “يتم استلام القمح عبر مراكزنا حسب المال الذي يتوفر لهذا الغرض فليس بالإمكان استلام كافة الانتاج، حيث استلمنا في موسم 2017 الفائت 9500 طن من القمح في كامل المناطق المحررة كان نصيب ادلب ما يقارب 1000طن وكان المبلغ المخصص لموسم 2017 حوالي 4 ملايين دولار “. ويأتي ذلك بالمقارنة مع تصريحات د. الحسن مدير مؤسسة الزراعة في ادلب عن ان حجم الانتاج بلغ  122 ألف طن .

وتستلم المراكز الانتاج من الفلاحين حسب أسبقية الوصول حتى تنفد مخصصاتها المالية.

وأضاف ناصر أنه يتم توفير المال عن طريق جهات داعمة كقرض حسن يسترد لصالحها على شكل قمح كالهلال الاحمر القطري ووحدة تنسيق الدعم، والتي تنسق جهود المانحين والشركاء المحليين.

المزارع محمد الرضوان من منطقة سهل الروج في ريف ادلب الغربي زرع في موسم 2016 -2017 ما يقارب 40 دونما بالقمح وانتج حوالي 17 طنا. ويقول  “اضطررت لبيع القمح للتجار في السوق السوداء بسعر 100 ل.س أي اقل من السعر الطبيعي بمقدار 40 ل.س لأنني لم استطع بيع الانتاج لمكاتب الاستلام التابعة للمعارضة التي اكتفت  باستلام استطاعتها من القمح .

ازرع لتغذية عدوك

فراس ابو أحمد مسؤول معبر قلعة المضيق في ريف حماة الغربي والتابع لفصيل “أحرار الشام” قال إن فتح الطريق أمام شحنات القمح من مناطق المعارضة الى مناطق النظام مرورا بالمعبر يرجع إلى “السعي وراء مصلحة الفلاح بعد أن تراجع سعر القمح في السوق ولا توجد أي جهة تستلم كل الانتاج.”

وأضاف “اضطررنا إلى فتح المعبر مع تيسير أمر دخول القمح.”

ويقول تاجر ممن يدخلون القمح إلى مناطق النظام طالبا عدم نشر اسمه إنهم “يشترون القمح من المزارعين او من تجار محليين ومن ثم يقومون بجمعه بالشاحنات (القاطرات) التي تسير إلى مناطق النظام عن طريق نقطة قلعة المضيق “.

ويحصل هؤلاء التجار على ثمن القمح من النظام عبر وكلاء يتسلمون الشحنات ويحصلون ثمنها من النظام ثم يسددون مستحقات التجار.

ويحصل التاجر على ثلاث ليرات عن كل كيلو جرام القمح يصدره لمناطق النظام أي 3000 ل.س للطن الواحد (حوالي ستة دولارات)، واطلع معد التحقيق على عدة فواتير صادرة من دوائر النظام بأسماء أشخاص موردين للقمح ومنها فواتير صادرة بتاريخ 23/6/2017 وتاريخ 24/6/2017 وهم اشخاص يقيمون في مناطق المعارضة .

مسؤولية تائهة وأسعار متعددة

ملف القمح في مناطق الشمال السوري “المحرر” تتعامل معه عدة جهات. وفي 22 مايو أيار 2017 أبرمت هذه الجهات اتفاقا يحدد سعر القمح الطري (اللين) بمبلغ 265 دولارا للطن الواحد، وسعر القمح القاسي (الصلب) بمبلغ 270 دولارا للطن. ومن الموقعين على الاتفاق مؤسسة اكثار البذار ووحدة تنسيق الدعم التابعتين للإدارة المؤقتة، والإدارة المدنية للخدمات التابعة لائتلاف هيئة تحرير الشام المعارض، وهيئة إدارة الخدمات التابعة لحركة أحرار الشام..

لكن الإدارة المدنية للخدمات أعلنت سعرا مختلفا بعد ذلك بنحو أسبوع إذ أصدرت بيانا في 28 مايو/أيار 2017، قالت فيه إن مؤسسة الامداد والتموين التابعة لها تعلن عن شراء كامل انتاج الموسم من القمح والشعير من المزارعين بسعر 105 آلاف ليرة  (210 دولارات حينئذ) للكيلو جرام من القمح القاسي و103 آلاف ليرة سورية (206 دولارات حينئذ) للكيلوجرام من القمح الطري، وتسليم ثمن القمح نقدا بعد عملية الاستلام مباشرة.

ورغم توقيعها على اتفاق أسعار القمح، قالت الإدارة المدنية في بيان ان الجهات الزراعية الموقعة للقرار غير قادرة على شراء كامل انتاج القمح في المناطق المحررة شمال سوريا، الامر الذي يفتح الباب لتهريب القمح الى مناطق النظام.

أما هيئة إدارة الخدمات، فأصدرت تأكيدا في 31 مايو/أيار 2017، بأنها “ماضية في تطبيق اتفاق غالبية الفعاليات الزراعية، وانها ستعمل على استلام القمح بنفس السعر الذي طرحته تلك الفعاليات.”

جهود دعم الفلاح

تحاول منظمات إنسانية دعم زراعة محصول القمح الاستراتيجي وتحقيق الامن الغذائي للأهالي في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة والحفاظ على أصناف القمح المحلية ورفع نقاوتها بحسب الموقع الرسمي لوحدة تنسيق الدعم “acu” ، في تقرير نشرته عن مشروع القمح 2017.

وبحسب التقرير، ستهدف المشروع الذي تشارك به ثلاث جهات وهي الهلال الأحمر القطري – (QRC)، ووحدة تنسيق الدعم – (ACU)، والمؤسسة العامة لإكثار البذار (GOSM)، زراعة ثمانية آلاف  هكتار (80 ألف دونم) من الحقول الزراعية في موسم 2017 في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.

ويصل عدد المستفيدين المباشرين إلى 17,697 عائلة (88,485 نسمة) بميزانية 6.3 مليون دولار، خصص منها 4 ملايين دولار لتمويل تأسيس صندوق دعم المزارع، وهو صندوق إقراض حسن لمساعدة المزارعين على توفير المدخلات الزراعية خلال الموسم مقابل ان يقوم الفلاح المستفيد بتسليم انتاجه للجهات الداعمة له .

وبحسب معن ناصر مدير المؤسسة العامة لإكثار البذار فان هذا المشروع وعلى الرغم من استمراره لأكثر من 3 مواسم لا يحل كامل المشكلة لان المستفيد منه قسم من الفلاحين لأنه محكوم بالمخصصات المالية..

الحفاظ على مخزون استراتيجي من القمح ومنع تصديره الى مناطق النظام “يحقق استقرارا بسعر القمح ويحفظ للمزارع حقه وهامش ربحه مالم يتأثر الإنتاج بعوامل جوية وأخرى لا دخل للمزارع بها”   كما يقول المهندس الزراعي اديب مغلاج القاطن في مناطق المعارضة شمال سوريا .

(*الدونم يساوي ألف متر مربع في بلد الشام سوريا ولبنان والأردن وفلسطين)

(** الهكتار عشرة آلاف متر مربع)

Leave a Reply